عبد الوهاب الشعراني
26
تنبيه المغترين
محمد بن إبراهيم والي مكة يسلم على سفيان الثوري في المطاف فقال : ماذا تريد بالسلام إن كنت تريد أن أعلم أنك تطوف اذهب فقد علمت ، وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول لا يصلح أن يدخل على الأمراء ويخالطهم إلا مثل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، فأما أمثالنا فلا يصح له الدخول عليهم لعجزه عن مواجهتهم بالنصح والإنكار عليهم فيما يراه منهم من الظلم والجور ونحوه كفرش الحرير والستائر وغير ذلك ، وقد ذكروا مرة عند معاوية رضي اللّه عنه كلاما وكان الأحنف بن قيس رحمه اللّه تعالى جالسا فلم يتكلم فقال له : معاوية مالك لا تتكلم يا أحنف فقال أني أخشى اللّه تعالى إن كذبت وأخشاك إن صدقت فرأيت السكوت أولى انتهى ، وسيأتي زيادة على ذلك مفرقا والحمد للّه رب العالمين . ترك النفاق ( أخذ علينا العهود في أخلاقهم ) : فمنها عملهم على ترك النفاق بحيث تتساوى سريرتهم وعلانيتهم في الخبر فلا يكون لأحدهم عمل يفتضح به غدا في الآخرة ومن وصية أبي العباس الخضر عليه السلام لعمر بن عبد العزيز لما اجتمع به في المدينة المشرفة وسأله أن يوصيه بوصية ، فقال له : إياك يا عمر أن تكون وليا للّه في العلانية وعدوا له في السر فإن من لم تتساو سريرته وعلانيته فهو منافق والمنافقون في الدرك الأسفل من النار فبكى عمر حتى بل لحيته ، وفي الحديث [ يخرج في آخر الزمان أقوام يحتالون أي يطلبون الدنيا بعمل الآخرة ، أي الدنيا بالدين ، يلبسون جلود الضأن من اللين . ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم قلوب الذئاب . يقول اللّه تعالى [ أبي يغترون أم علي يجترءون ] بي حلفت لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحليم فيهم حيران ] . وكان المهلب بن أبي صفرة رحمه اللّه تعالى يقول : إني لأكر الرجل يكون للسانه فضل على فعله ، وكان بعد الواحد بن زيد رحمه اللّه تعالى يقول ما بلغ الحسن البصري رحمه اللّه تعالى إلى ما بلغ إلا لكونه كان إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه ، وإذا نهاهم عن شيء كان أبعدهم منه ، وكانوا يقولون ما رأينا أحدا سريرته أشبه بعلانيته من الحسن البصري ، وكان معاوية بن قرة رحمه اللّه تعالى يقول : بكاء القلب خير من بكاء العين وكان يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى يقول : القلوب كالقدور ومغارفها ألسنة أصحابها فكونوا عبيدا بأفعالكم كما أنكم عبيد بأقوالكم ، وكان مروان بن محمد رحمه اللّه تعالى يقول ما وصف لي رجل قط إلا وجدته دون ما وصفوه به إلا وكيعا رحمه اللّه تعالى ، فإني